السيد حسن القبانچي
235
مسند الإمام علي ( ع )
فان ذلك في مواطن غير واحد من مواطن ذلك اليوم الذي كان مقداره خمسين ألف سنة والمراد يكفّر أهل المعاصي بعضهم ببعض ، ويلعن بعضهم بعضاً ، والكفر في هذه الآية البراءة يقول : فيبرأ بعضهم من بعض ، ونظيرها في سورة إبراهيم قول الشيطان : { إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُوْنِ مِنْ قَبْلُ } ( 1 ) وقول إبراهيم خليل الرحمن : { كَفَرْنَا بِكُمْ } ( 2 ) يعني تبرأنا منكم ، ثم يجتمعون في مواطن اُخرى يبكون فيها ، فلو أن تلك الأصوات فيها بدت لأهل الدنيا لا زالت جميع الخلق عن معائشهم ، وانصدعت قلوبهم إلاّ ما شاء الله ، ولا يزالون يبكون حتى يستنفذوا الدموع ، ويفضوا إلى الدماء . ثم يجتمعون في موطن آخر فيستنطقون فيه فيقولون : { وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِيْنَ } ( 3 ) وهؤلاء خاصة هم المقرون في دار الدنيا بالتوحيد ، فلا ينفعهم إيمانهم بالله لمخالفتهم رسله وشكهم فيما أتوا به عن ربهم ، ونقضهم عهودهم في أوصيائهم واستبدالهم الذي هو أدنى بالذي هو خير ، فكذبهم الله فيما انتحلوه من الايمان بقوله : { اُنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلى أَنْفُسِهِمْ } ( 4 ) فيختم الله على أفواههم ، ويستنطق الأيدي والأرجل والجلود ، فتشهد بكل معصية كانت منهم ، ثم يرفع عن ألسنتهم الختم فيقولون لجلودهم : لم شهدتم علينا ؟ قالوا : { أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيء } ( 5 ) . ثم يجتمعون في موطن آخر فيفر بعضهم من بعض لهول ما يشاهدونه من صعوبة الأمر ، وعظم البلاء فذلك قوله عز وجل : { يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيْهِ * وَاُمِّهِ وَأَبِيْهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيْهِ . . . } ( 6 ) الآية .
--> ( 1 ) - إبراهيم : 22 . ( 2 ) - الممتحنة : 4 . ( 3 ) - الأنعام : 23 . ( 4 ) - الأنعام : 24 . ( 5 ) - فصّلت : 21 . ( 6 ) - عبس : 34 - 36 .